ابن أبي مخرمة
7
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
المجلّد الأوّل [ مقدمات ] بين يدي الكتاب الحمد للّه ، والصلاة والسلام على رسول اللّه ، وعلى آله وصحبه ، وبعد : فيقول العلامة ابن خلدون : ( اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب ، جم الفوائد ، شريف الغاية ؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم ، والأنبياء في سيرهم ، والملوك في دولهم وسياستهم ؛ حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا ) « 1 » . بين يديك أخي القارئ هذا الكتاب التاريخي ، وهو من الذخائر اليمنية ، والنفائس الحضرمية ، يعرض لأخبار الأدباء والشعراء ، والأطباء والزهاد وغيرهم ، وكانت نظرة المصنف شاملة ؛ فلم يقتصر على تاريخ رجال اليمن وحوادثه ، وأئمته وأعلامه ، بل عمت تراجم رجاله رقعة العالم الإسلامي الجغرافية من أقصى بلاد ما وراء النهر شرقا إلى المغرب وأقصى بلاد الأندلس غربا . وتزداد أهمية هذا السفر : أنه سجل قلمه أخبارا عن حضرموت وما والاها إلى تعز المحروسة ، وأماطت ريشة الإمام بامخرمة عن أعلام في هذا الجزء الكبير من اليمن العزيز ، وتحدث عنهم بطريقة العلماء الأماجد ، فأبان عن شخصياتهم ومذاهبهم وأحوالهم دون تحيز أو ملق أو نزق ، وهذه هي طريقة الأئمة المخلصين ، كما أن مصادره التي اعتمد عليها وفيرة ، ومنها ما لم تمتد إليه يد الباحثين ؛ لندرته أو فنائه ؛ بحيث صار في حكم المعدوم ، فليس لنا طريق توصل إلى معلومات في تلك الموضوعات إلا كتابه هذا . ومما زاد الكتاب أهمية : ما تميز به من منهج علمي وحياد إزاء الفرق والمذاهب المتعددة الذين عرض مناهجهم في « قلادته » ، فجمال الدين من الأعلام المتمكنين ، والعلماء البارزين ، وهو من أسرة عريقة في العلم والشرف ، وقد تقلد القضاء بعد طول تمنع ، فكان يقال له : قاضي الدولة الطاهرية - كوالده - وكان مفتيها بعدن .
--> ( 1 ) تاريخ ابن خلدون ( 1 / 13 ) .